جيرار جهامي ، سميح دغيم
2022
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
ووقوع الفعل على وجه هو تابع لحدوثه . وصحّة الحدوث لا تكون إلّا بعد كون الفاعل ، « فما كان بعد وجود غيره فلا شكّ في حدوثه ، وتصرّفاتنا الواقعة منّا محتاجة في حدوثها إلينا لأنها « وقفت على أحوالنا في النفي والإثبات فيجب أن تكون محتاجة إلينا لحدوثها » . ويجب أن تكون « محتاجة إلينا لتجدّد وجودها وهو الحدوث » . وتعليق هذه المحدثات بمحدثها الإنسان أمر ضروري « لأننا نفصل بين وجوب وقوع تصرّفه بحسب قصده واستمرار ذلك فيه على طريقة واحدة ، وبين تصرّف غيره على اختلاف أحوالهم معه » . إن احتياج تصرّفاتنا إلينا يؤكّد أن لأحوالنا فيها تأثيرا من حيث ما ثبت وجوب وقوعها بحسب دواعينا وقصودنا مع السلامة ، ووجوب انتفائها بحسب كراهتنا وصوارفنا مع السلامة إمّا على جهة التقدير أو التحقيق . والمقصود بالقول إن أفعالنا تحتاج إلينا لوقوعها حسب قصودنا ودواعينا إنها تستمرّ « لمكان الداعي » . مثال ذلك لو كان الداعي إلى وقوع الفعل هو اجتلاب نفع لاستمرّ الفعل لمكان استمرار اجتلاب النفع أي لاستمرار المنتفع به ومطابقته لحاجتنا ، وعندما ترتفع الحاجة يرتفع الداعي وينتهي الفعل . وهذا دليل واضح على أن لا حول لنا من كوننا مريدين وكارهين تأثيرا في حدوث الفعل ، فيرتدّ وجه الحدوث إذا إلى معان دينامية قصدية في الإنسان . وإذا ثبت أن الإنسان محدث ، فلا بدّ من إثبات إنه « فعل » لما يصدر عنه من أفعال . فالفعل هو الدلالة على اختصاص الفاعل بحال مؤثّرة في ذلك ، أي في التحقيق العملي للقدر . هذه الحال المؤثّرة هي القدرة التي تجعل منه فاعلا « فلو لم يصحّ الفعل من زيد لما ثبت كونه قادرا وبالتالي فاعلا على الحقيقة . والفاعل على الحقيقة هو من وقعت منه أفعاله حسب قصوده ودواعيه بتأثير من القدرة على وجه التقدير . فالإنسان فاعل بمثل ما يتّصف به اللّه ، حتى إذا قيل « أفتصفون غير اللّه فاعل على الحقيقة ، قيل له نعم » ، وما ذلك إلّا لاختصاصنا بأحوال مؤثّرة في أفعالنا وبأحوال مثبتة لتعلّق هذا الأفعال بنا . بيد أن الذي يبيّن حقيقة الفاعل القادر هو التمييز القائم بين الفاعل المختار والفاعل المطبوع . فالمختار هو الذي تقع منه الأفعال المختلفة وهو الذي يقدر على فعل الضدّين ؛ أما المطبوع فهو الذي لا يكون منه الفعل إلّا على جهة واحدة وجنس واحد ( مثل النار ) ، لذا فالمطبوع لا يسمّى فاعلا . وإذا كان وقوع الأفعال مشروطا بقصد الفاعل لها ودواعيه إليها وانتفاؤها حسب كراهته لها وصوارفها عنه ، كانت لا محالة فعلا له لا فعلا لغيره حتى ولو كان هذا الغير هو اللّه . وهذا ما أدّى بالمعتزلة إلى التوسّع في نفي كون أفعال العباد مخلوقة من اللّه . وهم بذلك إنما كانوا يردّون على المجبرة وعلى الأشاعرة الذين علّقوا الأفعال جميعها وجعلوا الإنسان كاسبا لها . يتبع القول بأن الإنسان فاعل على الحقيقة إبطال نظرية الكسب التي تضيف الفعل إلى